نبضات وآراءنبضاتهم

هرمز يقلب الطاولة على الخليج وأوروبا

يعدّ استمرار إغلاق مضيق هرمز الشاهد الأكبر على فشل المغامرة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في إيران، والتي تحولت من حرب خاطفة لإسقاط النظام إلى مستنقع أرهق حلفاء واشنطن قبل خصومها، وكشف عن عجز أمريكي في فرض الإرادة، وسط مفاوضات متعثرة لا تبشر باقتراب الحل، ورفض صارخ لتعويض المتضررين “الحلفاء”.

دوافع ضائعة وحرب عشوائية
انطلقت الشرارة في 28 فبراير/شباط 2026، عندما شنت واشنطن وتل أبيب حملة عسكرية وصفت بأنها “ضربة استباقية”، بنيت على فرضية إسقاط النظام الإيراني من خلال اغتيال قادة الصف الأول، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى. كان الرهان على أن تخلق هذه الضربة القاسية فراغاً في السلطة وانهياراً داخلياً سريعاً، ينهي الملف النووي والصاروخي الإيراني إلى الأبد. لكن إيران، التي أدارت عقوداً من الحروب غير المتكافئة، امتصت الصدمة الأولية وحولت أرض المعركة من حدودها إلى عقر دار جيرانها.

أعادت طهران تعريف قواعد الاشتباك، فلم تعد تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية فقط، بل حولت البنى التحتية المدنية في دول الخليج إلى أهداف مشروعة للرد. حيث استهدفت منشأة “رأس لفان” القطرية، التي تمثل 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، مما أدى إلى انخفاض صادرات قطر بنحو 17% وتوقع مسؤولين قطريين أن يستغرق إصلاح الدمار بين 5 إلى 20 عاماً. كما استهدفت مطار دبي الدولي وموانئ رئيسية في السعودية والإمارات، مما هز صورة منطقة الخليج بكاملها كملاذ آمن للاستثمار والسياحة.

التصرف الأمريكي والرد الإيراني الذي تبعه، دفع مراقبين دوليين للتساؤل حول “عشوائية” الحرب، التي لم تأخذ واشنطن فيها بعين الاعتبار أمن حلفائها العرب ولا حتى الأوروبيين. بينما استخدمت إيران، إضافة لما سبق، ورقتها الأقوى ألا وهي إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، ليس كورقة تفاوضية آنية، بل كاستراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف توازن القوى في المنطقة، مؤكدة أن “الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب”، وفق رؤية قادتها.

نصر معلن وهزيمة واقعية
رغم التفوق العسكري الساحق للأمريكيين والإسرائيليين، الذي يشمل أساطيل حربية متقدمة وقواعد جوية وأسلحة فتاكة، فشلت واشنطن في تحقيق أي نصر حاسم. فبعد أسابيع من القصف العنيف، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة للعودة إلى طاولة المفاوضات، معترفة ضمنياً أن الخيار العسكري لم ينجح في إخضاع إيران أو تحقيق أهدافها المعلنة. هذا الفشل تجسد بشكل صارخ في استمرار إيران بإغلاق المضيق كورقة ضغط رئيسية.

واشنطن التي راهنت على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيدفع طهران للتراجع، وجدت أن إيران تربط أي فتح للمضيق بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهو شرط ترفضه واشنطن بوضوح. تصريحات الرئيس ترامب عن تحقيق “نصر عسكري كبير” تصطدم بواقع سفن النفط الراسية في بحر عمان، ومفاوضات جنيف التي لم تحقق تقدماً يُذكر، ورفض إيراني لمقترحات أمريكية وصفتها بـ”غير المقبولة”.

إن استمرار المفاوضات دون أفق واضح يعكس حالة من الجمود الاستراتيجي. فكل طرف يمسك بورقة ضغط يعتقد أنها الأقوى، أمريكا من جهة بقوتها العسكرية والاقتصادية، وإيران من جهة أخرى، بسيطرتها على الممر المائي الأهم في العالم. لكن الواقع يقول إن استمرار الإغلاق يخدم الرؤية الإيرانية أكثر مما يخدم المصالح الأمريكية، خاصة مع تصاعد الأصوات داخل واشنطن التي تطالب بإعادة تقييم الاستراتيجية الكاملة للإدارة الأمريكية الحالية في المنطقة.

ثمن الحرب الأغلى بالنسبة للخليج وأوروبا
دول الخليج، التي لم تكن طرفاً في الحرب، وجدت نفسها في قلب العاصفة التي كبّدت منتجي النفط الخليجيين خسائر فادحة، حيث انخفض إنتاج النفط في الشرق الأوسط من 21 مليون برميل يومياً إلى 14 مليون برميل بعد أسبوع واحد من الصراع. الخسائر المباشرة في الأسبوعين الأولين بلغت 15 مليار دولار، بينما توقفت صادرات الغاز القطري والتي تمثل شرياناً للحياة لأوروبا مع إغلاق مضيق هرمز.

قطاع السياحة، الذي يشكل 11% من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج، انهار تماماً مع إلغاء أكثر من 37,000 رحلة طيران في الأيام العشرة الأولى، وانخفض إشغال الفنادق في دبي من 80% إلى 10%. خفض البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصادات الخليج من 4.4% إلى 1.3%، وبدأت دول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت بمراجعة عقودها واستثماراتها مع الولايات المتحدة، ومناقشة إمكانية تفعيل بنود “القوة القاهرة” لتخفيف الخسائر.

الأكثر إيلاماً هو الموقف الأمريكي من التعويض. ففي انتكاسة دبلوماسية جديدة، رفضت واشنطن بوضوح تعويض حلفائها عن الأضرار، مكتفية بمقترحات نظرية لاستخدام أصول إيرانية مجمدة، وهي خطوة تواجه عقبات قانونية ودبلوماسية كبيرة، وتحتاج لموافقة دول مثل الصين التي تحتفظ بأكثر من 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية. هذا الرفض زاد من أزمة الثقة بين الطرفين، ودفع الرياض وأبوظبي للبحث عن ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالية، بعيداً عن الإطار التقليدي الذي تقوده الولايات المتحدة.

حيث وقّعت كل من السعودية وتركيا وباكستان في مطلع الشهر الجاري في مدينة مكة اتفاقية دفاع مشترك، ينصّ جوهرها على أن أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الجميع، وهو ما يُشبه المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو.

أما أوروبا، فوجدت نفسها في مواجهة عاصفة طاقوية غير مسبوقة. فمع توقف الغاز القطري واستمرار إغلاق هرمز، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في القارة بنسبة 50% والنفط بنسبة 27% في غضون أيام. كما كلفت الحرب دافعي الضرائب الأوروبيين 3 مليارات يورو إضافية في 10 أيام فقط، وهي أرقام تتضاعف مع استمرار الأزمة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في سياسة ممنهجة تهدف إلى مواصلة إضعاف أوروبا، يُطيل أمد الأزمة ويمتنع عن الوصول إلى اتفاق يعيد الاستقرار للأسواق. إصرار واشنطن على الاستمرار في سياستها الحالية، حتى على حساب حلفائها التقليديين، يؤكد أن أوروبا أصبحت رهينة للعبة أمريكية إسرائيلية لا مصلحة لها فيها.

فيما تواجه القارة العجوز شتاءً قاسياً بمخزونات غاز هي الأدنى منذ 2009، وسط توقعات من قبل مؤسسة “غولدمان ساكس” وصول الأسعار إلى 100 يورو (نحو 116 دولارا) لكل ميغاواط/ساعة بحلول ديسمبر/كانون الأول المقبل، مقابل 55 يورو (نحو 64 دولارا) حاليا، مما يهدد بتآكل النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم بشكل يهدد التماسك الاجتماعي الأوروبي.

خاسرون في كل الاتجاهات
في خلاصة قاسية، تُثبت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أنها كانت مغامرة محفوفة بالخسائر لجميع الأطراف. إيران، رغم الدمار الذي لحق ببنيتها التحتية، نجحت في تحويل الصراع من معركة وجودية إلى مباراة ضغط، واستطاعت توظيف أوراقها الإقليمية بمهارة، وفرضت نفسها كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة والعالم.

واشنطن، التي بدأت الحرب كاستعراض للقوة، انتهت إلى كشف قصور استراتيجي عميق، وأضعفت حلفاءها التقليديين، وأظهرت أنها غير مستعدة لتحمل تبعات حروبها.

وفيما دفع العالم كله ثمناً باهظاً من ركود واضطرابات، دفعت دول الخليج وأوروبا فاتورة مضاعفة، بينما تتخبط واشنطن بين فشل عسكري ورفض لتعويض الخاسرين. وبالنسبة لمضيق هرمز فهو لا يزال مغلقاً، ليس فقط أمام السفن، بل أمام أي حل سياسي قريب، ليكون تذكيراً دائماً بأن الحروب في عصر العولمة لا تنتج إلا المزيد من الفوضى، وأن واشنطن بسياستها العدوانية تخسر المزيد من نقاطها لدى الحلفاء.

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى